السيد محمد حسين فضل الله
48
من وحي القرآن
الإسلام يجادل اليهود والنصارى في هذا الفصل من السورة ، يلتفت القرآن إلى تحديد الخط المستقيم الذي أراد اللّه للحياة أن تسير فيه في العقيدة والعمل ، ويشجب الخطوط المتعرّجة المنحرفة في صعيد الواقع الذي يسير عليه الناس ، فقد واجه هؤلاء الذين ينغلقون على أنفسهم ليجعلوا من الدين انتماء فئويّا لا ينفتح إلّا على جماعة معيّنة وأفق ضيّق ، فكانوا يقولون للناس إنّ طريق الهدى لا يتّسع لغير اليهود ، في ما يقوله اليهود ، أو لا يتسع لغير النصارى في ما يقوله النصارى ، وكان الجواب أن طريق الحق أوسع من ذلك ، فإذا كان اليهود والنصارى يؤمنون بإبراهيم وملّته ، فإنّ ملّة إبراهيم هي الملة التي تلتقي عليها كل الخطوط ، باعتبارها تمثل خط التوحيد الخالص الذي يستوعب كل الرسالات ويحتضن كل الأنبياء ، فلا يضيق عن أحد ولا ينغلق على فئة ، فهو الدين الحق الذي يهتدي المؤمنون به ، أمّا الذين يعرضون عنه ، فهم الذين لا يريدون للحياة أن تهدأ وتطمئن وتسير في الطريق المستقيم ، بل يثيرون فيها الشقاق والخصام الذي لا ينتهي إلى أية نتيجة مما يحاولونه من الأهداف الشريرة ، مهما عملوا ومهما امتدوا في أساليبهم ، لأن اللّه سيتكفل بهم في الدنيا والآخرة ، فقد وعد نبيّه بأنه سيكفيه عدوانهم وشرّهم ، وهو السميع لكل ما يفيضون فيه من قول وما يثيرونه من مشاكل وهو العليم بسرّهم وعلانيتهم . ويلاحظ في هذه الآيات أن القرآن يعتبر القياس في صحة سلوكهم هو انسجامهم مع ملّة إبراهيم ، باعتبار أن رسالة موسى وعيسى كانت سائرة في هذا الاتجاه ، فإذا كان هناك انحراف عنها ، فمعنى ذلك أنهم يسيرون على غير هدى هاتين الرسالتين .